الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

84

نفحات القرآن

إِمْرءٍ مِّنْهُمْ يَؤَمِئذٍ شَأنٌ يُغْنِيهِ » . ( عبس / 34 - 37 ) من الطبيعي أن يكون أقرب وأحبّ الأفراد للإنسان هم الأخوة والأم والأب والزوجة والأولاد ، ومن العجيب أنّ القرآن لم يقُلْ إِنَّ الإنسان في غفلة عن هؤلاء في ذلك اليوم بل قال : إنّه يفرُّ من الأُمِّ التي كان يحبها كثيراً أو الأب الذي يكُنٌّ له التقديرَ والاحترام ومن الزوجة التي كان يعشقها ، والأولاد الذين كانوا ثمرة قلبه ونور عينيه ! بلى إنّه يفرّ منهم جميعاً ! إنّ هؤلاء كانوا ملجأً له من مشاكل الدنيا ، وسكناً له في المصائب الشدائد ولكن ما الذي يحدثُ هناك بحيث يفرّ منهم ؟ ! إن صيحة يوم البعث والذي عبر عنها القرآن الكريم ب « الصاخة » والتي وردت في الآية التي سبقت الآيات المذكورة في موضوع بحثنا ، حيث وصفت هذه الصيحة بالعظمة بحيث تمزق عُرى كافة الأواصر ، وهذا الصوت من الرهبة بحيث يدخل الرعب والرهبة على القلوب ويصم الآذان . فلماذا يفرّ المرءُ ؟ هل يفرّ خوفاً من الفضيحة أمام أقرب الخلق إليه ؟ أو خوفاً من تبعات الذنوب التي ارتكبها ؟ أو يفرّ من حقوق الناس التي تثقل عاتقه ؟ فمن المحتمل أن يطالبه هؤلاء بحقوقهم في ذلك اليوم الذي تكون فيه يد الإنسان خالية من كلّ شيء ! أو لا هذا ولا ذاك بل إنّه يهرب من شدّة الخوف والرعب في المحشر حيث إنّ هذا الموقف يُرغمُ كلَّ إنسانٍ على الهرب أحبّته والاهتمام بنفسه ولا غير ، كي يجد لها مخلصاً ممّا هي فيه . إنّ كل واحد من هذه الأمور الأربعة يكفي لوحده أن يكون مدعاة للهرب والخلاص فكيف الحال إذا اجتمعت معاً ؟ جاء في الحديث الشريف إنّ أحد أقرباء النبي الأكرم صلى الله عليه وآله سأله عن : ثلاثة مواقف يوم القيامة لا يفكر أحد إلّابنفسه : 1 - الميزان 2 - الصراط 3 - تطاير الكتب « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير البرهان ، ج 4 ، ص 429 ، ح 1 .